أحمد بن محمد القسطلاني
242
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
( فكان ) عليه الصلاة والسلام بفاء العطف ولغير أبي ذر مما ليس في اليونينية وكان ( لا يلتفت ) وراءه ، وهذه كانت عادته عليه الصلاة والسلام في مشيه ( فدنوت ) أي قربت ( منه ) لأستأنس به كما في رواية الإسماعيلي وزاد فقال : من هذا ؟ فقلت : أبو هريرة ، ( فقال : ابغني ) بهمزة وصل من الثلاثي أي اطلب لي يقال : بغيتك الشيء أي طلبته لك وبهمزة قطع إذا كان من المزيد أي أعني على الطلب . يقال : أبغيتك الشيء أي أعنتك على طلبه . قال العيني كالحافظ ابن حجر وكلاهما روايتان ، وللأصيلي فقال : أبغ ليس بهمزة قطع وباللام بعد الغين بدل النون ، وللإسماعيلي ائتني ( أحجارًا ) نصب مفعول ثانٍ لابغني ( أستنفض بها ) بالنون والفاء المكسورة والضاد العجمة مجزوم جوابًا للأمر وهو الذي في فرع اليونينية كهي ، ويجوز رفعه على الاستئناف والاستنفاض الاستخراج ويكنى به عن الاستنجاء كما قاله المطرزي ، وفي القاموس استنفضه استخرجه وبالحجر استنجى ( أو ) قال عليه الصلاة والسلام ( نحوه ) بالنصب معمول قال ، أي قال نحو هذا كأستنجي أو أستنظف والتردد من بعض رواته ( ولا تأتي ) بالجزم بحذف حرف العلة على النهي . وفي رواية ابن عساكر وأبي ذر عن الكشميهني ولا تأتيني بإثباته على النفي ، وفي رواية في الفرع ولا تأتي ( بعظم ولا روث ) لأنهما مطعومان للجن كما عند المؤلف في البعث أن أبا هريرة رضي الله عنه قال للنبي صلى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما أن فرغ : ما بال العظم والروث ، قال " هما من طعام الجن " وفي حديث أبي داود عن ابن مسعود أن وفد الجن قدموا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالوا : يا محمد أنّه أمتك عن الاستنجاء بالعظم والروث فإن الله تعالى جعل لنا فيه رزفًا فنهاهم عن ذلك وقال : " إنه زاد إخوانكم من الجن " وقيل النهي في العظم لأنه لزج فلا يتماسك لقطع النجاسة ، وحينئذ فيلحق به كل ما في معناه كالزجاج الأملس أو لأنه لا يخلو غالبًا من بقية دسم تعلق به فيكون مأكولاً للناس ، ولأن الروث نجس فيزيد ولا يزيل ويلحق به كل نجس ومتنجس ، ولو أحرق العظم وخرج عن حال العظام فوجهان . أصحهما في المجموع المنع ، ويلحق بالعظم كل مطعوم للآدمي لحرمته وإن اختصّ بالبهائم . قال الماوردي : لم يحرم . ومنعه ابن الصباغ ، والغالب كالمختص أو استويا فوجهان . وقد نبّه في الحديث باقتصاره في النهي على العظم والروث على أن ما سواهما مجزئ ولو كان ذلك مختصًّا بالأحجار كما يقول بعض الحنابلة ، والظاهرية لم يكن لتخصيص هذين بالنهي معنى ، وإنما خص الأحجار بالذكر لكثرة وجودها . قال أبو هريرة ( فأتيته ) عليه الصلاة والسلام ( بأحجار بطرف ) أي في طرف ( ثيابي فوضعتها ) بتاء بعد العين الساكنة وفي رواية فوضعها ( إلى جنبه وأعرضت ) وللكشميهني في غير اليونينية واعترضت ( عنه ) بزيادة تاء بعد العين ، ( فلما قضى ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حاجته ( أتبعه ) بهمزة قطع أي ألحقه ( بهن ) أي أتبع المحل بالأحجار وكنى به عن الاستنجاء واستنبط منه مشروعية الاستنجاء وهل هو واجب أو سُنّة ؟ وبالأول قال الشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى لأمره عليه الصلاة والسلام بالاستنجاء بثلاثة أحجار ، وكل ما فيه تعدد يكون واجبًا كولوغ الكلب . وقال مالك وأبو حنيفة والمزني من أصحابنا الشافعية : هو سنّة واحتجّوا بحديث أبي هريرة عند أبي داود مرفوعًا : " من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " الحديث . قالوا : وهو يدل على انتفاء المجموع لا الإيتار وحده وأن يكون قبل الوضوء اقتداء به عليه الصلاة والسلام وخروجًا من الخلاف فإنه شرط عند أحمد وإن أخّره بعد التيمم لم يجزه . 21 - باب لاَ يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ هذا ( باب ) بالتنوين ( لا يستنجى بروث ) بضم المثناة التحتية وفتح الجيم مبنيًّا للمفعول ، وثبت في رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر ما بعد الباب . 156 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ : أَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلاَثَةِ أَحْجَارٍ ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا ، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ : هَذَا رِكْسٌ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ . وبه قال : ( حدّثنا أبو نعيم ) الفضل بن دكين ( قال : حدّثنا زهير ) هو ابن معاوية الجعفي المكي الكوفي ( عن أبي إسحاق ) عمرو بن عبد الله السبيعي بفتح السين المهملة وكسر الموحدة التابعي وما ذكر من كون زهير سمع من أبي إسحاق بآخرة لا يقدح لثبوت سماعه منه هذا